الفَائِدَةُ : (176/ 443) /
24/09/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [مَرَاتِبُ الْمُحَاسَبَةِ وَدِقَّةُ الْمُعَايَرَةِ عَلَى قَدْرِ العُقُولِ] [تَفَاوُتُ المَدَاقَّاتِ فِي الحِسَابِ بِتَفَاوُتِ الْمَدَارِكِ وَالعُقُولِ] [طَبَقَاتُ الْمُحَاسَبَةِ وَدِقَّةِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي المِيزَانِ الإِلَهِيِّ ] إنَّ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ الإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « إِنَّمَا يُدَاقُّ اللَّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا »(1) ؛ يُعَدُّ بُرْهَاناً وَحْيَانِيّاً يُمَثِّلُ رَكِيزَةً مَنْهَجِيَّةً فِي فَلْسَفَةِ التَّشْرِيعِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ ؛ إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ دِقَّةَ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُدَاقَّةَ ـ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْجَزَاءِ وَالْعِقَابِ ـ إِنَّمَا تَنُوطَانِ بِدَرَجَةِ الْإِدْرَاكِ وَمُسْتَوَى الْعَقْلِ وَالْعَمْدِ وَالِاخْتِيَارِ لَدَى الْمُكَلَّفِ. وَلَمَّا كَانَ الْعَمْدُ وَالِاخْتِيَارُ يَرْتَكِزَانِ فِي قِوَامِهِمَا عَلَى المَكْنَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلْفَاعِلِ ، وَعَلَى حَدِّ مَعْرِفَتِهِ وَنُضْجِ عَقْلِهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ نَقْصٍ فِي الْقُدْرَةِ أَوْ قُصُورٍ فِي الْعَقْلِ يُؤَثِّرُ طَرْداً فِي مَسَارِ الِاخْتِيَارِ وَمُسْتَوَى التَّكْلِيفِ ، مِمَّا يَحُطُّ مِنْ جَسَامَةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَدِقَّةِ الْمُؤَاخَذَةِ . وَالْعَمْدُ وَالِاخْتِيَارُ يَرْتَكِزَانِ فِي قِوَامِهِمَا عَلَى الْمَكْنَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلْفَاعِلِ ، وَعَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ وَنُضْجِ عَقْلِهِ ؛ فَكُلَّمَا ضَعُفَتْ قُدْرَتُهُ أَوْ قَصُرَ عَقْلُهُ ، تَضَاءَلَ مَدَى اخْتِيَارِهِ وَانْخَفَضَتْ مَنَاطَاتُ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّهِ . وَيُعَدُّ هَذَا المَبْحَثُ مِنَ المَسَائِلِ الْمُسْتَحْدَثَةِ وَالْمَرْكَزِيَّةِ فِي عُلُومِ الْمَعَارِفِ وَالْعَقَائِدِ ، وَهُوَ بَحْثٌ بَدِيعٌ وَسِيعُ الذَّيْلِ ؛ إِذْ يَمْتَدُّ أَثَرُهُ ـ فَضْلاً عَنِ التَّشْرِيعَاتِ السَّمَاوِيَّةِ ـ لِيَشْمَلَ التَّقْنِينَاتِ الْبَشَرِيَّةَ ؛ كَالْقَوَانِينِ الْجِنَائِيَّةِ ، وَالْقَضَائِيَّةِ ، وَالْجَزَائِيَّةِ ، وَالْمَنَاهِجِ التَّرْبَوِيَّةِ ؛ إِذْ يُصْبِحُ اعْتِبَارُ التَّفَاوُتِ فِي دَرَجَاتِ الْقُدْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ شَرْطاً أَمْثَلَ وَضَرُورَةً حَاكِمَةً فِي مَنَاهِجِ الْمُحَاسَبَةِ وَالتَّقْيِيمِ. وَمِنْ هَذَا الْمَنْهَجِ يَتَجَلَّى كُنْهُ مُحَاسَبَةِ الْبَارِي (جَلَّتْ آلَاؤُهُ) لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ إذْ إِنَّهَا مُحَاسَبَةٌ لَا تُقَاسُ بِمُحَاسَبَةِ أَيِّ مَخْلُوقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَلَا يَضْطَلِعُ بِعَبْئِهَا أَحَدٌ سِوَاهُ ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ وَذَلِكَ لِعَظَمَةِ مُدَاقَّتِهَا وَدِقَّةِ مَنَاطَاتِهَا ، النَّاشِئَةِ عَنْ عَقْلِهِ الشَّرِيفِ الَّذِي حَبَاهُ اللَّهُ بِهِ ، فَفَاقَ عُقُولَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ قَاطِبَةً. وَيُعَدُّ هَذَا الْمَعْنَى أَحَدَ مَصَادِيقِ كَثِيرٍ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(2) . ثُمَّ إِنَّ مُحَاسَبَتَهُ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ) لِسَائِرِ أَنْبِيَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أَعْظَمُ بِأَضْعَافٍ لَا تُحْصَى مِنْ مُحَاسَبَتِهِ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) لِعَامَّةِ الْعِبَادِ ، كَمَا أَنَّ مُحَاسَبَتَهُ (جَلَّ ذِكْرُهُ) لِلْعُلَمَاءِ ـ فِي أَيِّ مَجَالٍ كَانَ ـ أَعْظَمُ بِمَرَاتِبَ مِنْ مُحَاسَبَتِهِ لِعَوَامِّ النَّاسِ. وَلَعَلَّ هَذَا يُمَثِّلُ أَحَدَ تَفَاسِيرِ : أَوَّلاً : بَيَانِ جَوَابِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حِينَ سُئِلَ : « أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ »(3) . ثَانِياً : بَيَانُ الإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ »(4). وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ ، يَتَجَلَّى مَا وُرِدَ عَنِ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِينَمَا بَلَغَهُ نَبَأُ مَنْ يُؤَلِّهُونَهُ ؛ إِذْ خَرَّ سَاجِداً مُتَضَرِّعاً لِلَّهِ ، يَبْكِي بِشِدَّةٍ وَابْتِهَالٍ كَأَنَّمَا اقْتَرَفَ جُرْماً عَظِيماً ، حَتَّى تَعَجَّبَ الرَّاوِي مِنْ فِعْلِهِ وقَالَ : "يَا مَوْلَايَ ، مَا ضَيْرُكَ بِمَا يَقُولُ السُّفَهَاءُ؟!" ، فَأَجَابَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : « وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَقَرَّ فِي قَلْبِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالَتْهُ فِيهِ النَّصَارَى لمحى اللَّهُ اسْمَهُ مِنْ كِتَابِ النُّبُوَّةِ ». وَهَذَا بُرْهَانٌ سَاطِعٌ عَلَى أَنَّ كُمَّلَ الْخَلَائِقِ يُؤَاخَذُونَ عَلَى الْخَطَرَاتِ ، وَالْمُيُولِ الْقَلْبِيَّةِ ، وَالأَحْوَالِ الرُّوحِيَّةِ ، فضْلاً عَنِ الأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ ؛ لِكَوْنِهَا تَقَعُ تَحْتَ طَائِلَةِ اخْتِيَارِهِمْ وَمَكْنَتِهِمْ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَخْرُجُ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ عَنْ حَدِّ قُدْرَتِهِمْ ، فَلَا يَنَالُهُمُ الْحِسَابُ عَلَيْهَا. نَعَمْ ، إِنَّ مَنْ يَرُومُ التَّكَامُلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الْمُرَاقَبَةِ لِنَفْسِهِ ، وَخَوَاطِرِهَا ، وَمَيُولاَتِهَا ؛ إِذْ لاَ تَخْلُو هَذِهِ الْمَيُولُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا إِخْلاَصُ الْوَلاَءِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُولِي الأَمْرِ ، وَإِمَّا صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِمْ . وَكُلُّ رَغْبَةٍ لا تُسَخَّرُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُولِي الأَمْرِ ، فَإِنَّهَا تَشْكِيلٌ حَتْمِيٌّ لِحَاجِزٍ يَحُولُ دُونَ بُلُوغِ الْكَمَالِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ : إِنَّ الْمَيُولَ وَالْأَحْوَالَ النَّفْسِيَّةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِجِهَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِجِهَةِ الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ . وَهَذَا هُوَ الْجَوْهَرُ الْحَقِيقِيُّ لِلْوَلاَيَةِ ، وَهِيَ مِنْ أَعْسَرِ الْمَقَامَاتِ فِيهِ. وَبِالْجُمْلَةِ : فَإِنَّ "الْمُدَاقَّةَ الإِلَهِيَّةَ" فِي الْحِسَابِ لاَ تَدَعُ لِلْعَبْدِ رَصِيدًا مِنْ حَسَنَاتِهِ إلاَّ اسْتَغْرَقَتْهُ ؛ وَهَذَا مَا تَشْهَدُ لَهُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾(5) ؛ أَيْ : شِدَّةَ التَّدْقِيقِ وَالْمُنَاقَشَةِ. 2 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾(6). 3 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ وَتَقَدَّسَ) : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾(7). وَبِالْجُمْلَةِ : فَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُدَقِّقَ فِي الْحِسَابِ لَمَا تَحَقَّقَتِ الزَّكَاةُ وَالطَّهَارَةُ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ ، إِلَّا لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) ؛ فَإِنَّ التَّكَالِيفَ وَالْأَوْلَوِيَّاتِ الَّتِي خُوطِبَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لاَ يَسْتَطِيعُ نُهُوضًا بِأَدَائِهَا مَخْلُوقٌ قَطُّ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ مُدَاقَّةٍ وَمُنَاقَشَةٍ فِي الْحِسَابِ بَالِغَةِ النِّهَايَةِ فِي الدِّقَّةِ ، بَلْ وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ : أَنَّ الْمُحَاسَبَةَ الَّتِي يُحَاسَبُ بِهَا سَائِرُ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) لاَ يَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِهَا أَنْبِيَاءُ أُولُو الْعَزْمِ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ) ؛ فَضْلًا عَنْ مَنْ دُونَهُمْ ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الْمُحَاسَبَةِ وَعِظَمِ التَّدْقِيقِ. إِذَنْ : فَالْمُحَاسَبَةُ وَالْمُدَاقَّةُ مَتَبَايِنَةٌ عَلَى طَبَقَاتٍ وَدَرَجَاتٍ ، بَيْدَ أَنَّ هَذَا لاَ يَعْنِي اخْتِلاَفَ التَّشْرِيعَاتِ وَالْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ تَعَدُّدَ الْمَنْظُومَةِ الإِلَهِيَّةِ ، بَلِ الْقَانُونُ التَّكْلِيفِيُّ وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا تَتَفَاوَتُ مُدَايَنَةُ الْمُكَلَّفِينَ وَمُطَالَبَتُهُمْ بِهَذَا الْقَانُونِ الْوَاحِدِ بِحَسَبِ قُدُرَاتِهِمْ ، وَتَفَاضُلِ مَرَاتِبِهِمْ فِي حَمْلِ أَعْبَاءِ الْمَسْؤُولِيَّةِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أُصُولُ الكَافِي ، 1 / كِتَابُ العَقْلِ وَالجَهْلِ / 11 / ح7. (2) البَقَرَةُ : 253. (3) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 78 : 188. (4) الكَافِي ، 2 : 252 / ح 1. (5) الرَّعْدُ : 21. (6) النَّحْلُ : 61. (7) النُّورُ : 21